البيئة و الحفاظ عليها من منظور إسلامي

البيئة والحفاظ عليها من منظور إسلامي

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الحق إلى كافة الخلق، وغمام الرحمة الصادق البرق، والحائز في ميدان اصطفاء الرحمن قصب السبق، الذي طهر قلبه وغفر ذنبه، وختم به الرسالة ربه، صلى الله عليه وآله وسلم.

«الاهتمام بالبيئـة» هو من المبادئ التي يجب على المسلمِ المعاصرِ أن يتفهمها وأن يعيشها ؛ فهي قضية مهمة، وهي قضيةٌ بيِّنة في الكتاب والسُّنَّة، ولنا من كتاب الله ومن سُنَّة رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم في ذلك أساسٌ ومُنْطَلَق  .

فيعرض لنا فضيلة مفتي الديار المصرية «علي جمعة» قضية من أخطر القضايا التي نواجهها في عصرنا الحاضر؛ ألا وهي: «قضية البيئة». فالبيئة ليست هي كل ما يحيط بالإنسان من مخلوقات ومظاهر طبيعية، بل هي الإنسان نفسه وكل ما يحيط به؛  لأنَّ صلاحها مرتبط بصلاحه، وفسادها متعلق بسلوكه نحوها .

فتكلم إمامنا العلامة نور الدين «علي جمعة» عن هذه القضية في محاور عدة :

المحور الأول : «الخلافة والتسخير» :

ولقد تكلم فيه عن كيفية استخلاف الله للإنسان في أرضه للاعتناء بها وبما فيها من كائنات، فلقد قبل الإنسان استخلافه في الأرض؛ ولذلك فعليه أن يتحمل مسئولية إعمار الكون والمحافظة على البيئة، وذلك في مقابل ما ينعم به الإنسان من تسخير الكون في خدمته وسعادته؛ فلقد يسر الله له رزقه وسخر له الأرض والسماء والشمس والسحاب… وغيرها؛ ولذلك فعلى الإنسان أن يتحمل المسئولية؛ وذلك بالمحافظة على البيئة والاعتناء بها .

المحور الثاني : «الحق والواجب» :

ويوضح لنا في هذا المحور: ما هو الحق، وما هو الواجب؛ فالحق هو الحق المشترك بين الناس في الاستمتاع والانتفاع بعطاء الله ورزقه. أما الواجب فهو واجب الرعاية والمحافظة على الكون والوجود؛ لأنَّ هذا هو مقتضى الخلافة والأمانة التي تحملها الإنسان .

المحور الثالث : «المنهج والبناء» :

وفي هذا المحور يبين لنا عظم الشرع الإسلامي الذي جعل إعمار الكون أمرًا واجبًا وضروريًّا على الإنسان دينًا ودنيا، ولكنه لم يفرض عليه أسلوبًا أو كيفية محددة يتبعها في عملية التنمية والإعمار؛ بل وسع عليه في ذلك، ورسم له منهاجًا عامًّا وضع فيه منارات تهديه وترشده إلى المصالح الحقيقية التي تصل به إلى السعادة، وذلك ببيانه المقاصد والأهداف من وراء إعمار البيئة من حولنا؛ مما جعل خطوات الإنسان في بنائه إيجابية في جوهرها، وجعلها لا تخل بالعلاقات المقدرة المحكمة بين عناصر الوجود .

المحور الرابع : «المحافظة والمحبة» :

ونستخلص منه أنَّ الإسلام يتعامل مع الطبيعة والكون من منطلق الحب والاحترام، وهو مستوًى رفيع يزيد على مستوى المحافظة والتنمية؛ فلقد وجه الإسلام الإنسان إلى إنشاء علاقة بينه وبين الجماد، فيها مشاركة وحنين وشوق. فتلك رؤية تَمَيَّز بها الإسلام؛ فقدم رؤية متكاملة للكون، تدعو الإنسان إلى المحافظة عليه، وحسن الانتفاع بما فيه من موارد.
وبهذا، نخلص إلى أنَّ هذا الكتاب يهدف إلى توضيح ما جاء في الإسلام من تصورات عقائدية و أحكام فقهية ، جعلت الإنسان مطالَبًا وقادرًا ومدفوعًا إلى المحافظة على بيئته الإنسانية ، والمشاركةِ والتعاون على عدم الإفساد فيها ، وتوضيح أنَّ الشرع الإسلاميَّ لم يقف عند حدود المحافظة ؛ بل تعدَّاها إلى التنمية والإصلاح وغير ذلك ؛ لأنَّ الإسلام حضَّ على العمل والتَّـفَكُّر والبحث عن أسرار الكون ؛ استدلالًا على الوجود الإلهي، ووصولًا إلى المحبَّة .

كما يوضِّح ما جاء في النصوص الشرعية من ثُنائياتٍ ترسم التصورَ الإسلاميَّ للوجود ، مثل : الخلافة والتَّسْــخير، والحق والواجب، والمنهج والبناء، والمحافظة والمحبة، والمنفعة والجمال .

وأختم كل ما سبق بنظرة عامة لفضيلة الإمام عن كيفية تعامل المسلمين مع البيئة عبر العصور :

فلم تكن دعوة الإسلام – بأي حال من الأحوال – مجرد شعارات، وإنَّما عرفت طريقها إلى التطبيق الواقعي والعملي، حتى وصل المسلمون إلى درجة الإحسان .
ولي كلمة قد لا يتفق معي فيها كثيرٌ من الناس، وهي أنَّ هذه المُخترعات الحديثة كلها، من: القطار، والسيارة، والطائرة… لو أنَّـها تـمَّت على أيدي المسلمين ؛ لما كان لها هذه الآثار السيئة على البيئة ؛ فهذا حال المسلمين عبر القرون والعصور .

فإذا دخلتَ الـمُتْحَف الإسلامي -مثلًا- في «بَاب الـَخَلْق» في القاهرة؛ وجدت هذا «الزِّير» الذي يُملأ بالماء، وقد اخترعه المسلمون الأوائل بهدف الحفاظ على الماء وعدم السَّرَف فيه، على الرغم من وجود النيل، ومن قلة السكان في مصر عبر التاريخ الإسلامي .

ولو تأمَّلت في هذه الصوامع التي بأعلى مسجد «محمَّد بك أبو الدهب» ، وقد كانت تُملأُ حتى يأكل منها طيرُ السماء .
لو تأملت ما كان في منطقة بيت القاضي -وراء مسجد سيدنا الحسين – من «مَسَاقِي الكلاب» التي وُضعت كوقفٍ؛ من أجل أن تشرب منها الكلابُ الضالَّةُ رِعايةً لها. لو تأملت كل ذلك؛ لعلمت أنَّ المسلمين حافظوا دائمًا على البيئة؛ كل ذلك لأنَّ أحد مفردات النَّمُوذَج الْـمَعْرِفِـي عند المسلم حديثُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم : « فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ ».
وهذا يدلك على أنَّ المسلمين حافظوا على البيئة من مجرد الاختلال أو التلوث، فضلًا عن التعرضِ للخطر أو الضياع .