تأثير الأم

51WuknPGNEL._SS500_

جروح النفس أشد إيلاماً من جروح الجسد فالأخيرة ظاهرة وعلاجها معروف فى الغالب. أما جروح النفس فهى أكثر خفاءً حتى أنها لتظل تؤثر فى حياتنا، وشخصياتنا، وعلاقاتنا وتصرفاتنا دون أن ندرى. كما أن التعافى منها يتطلب الكثير من التأمل والصدق مع النفس والإرادة القوية.

والأم من أهم الشخصيات فى حياة أى إنسان فهى الشخص الأول فى حياته، تمنحه الأمان وتلعب دوراً أساسياً فى تكوين تفكيره ووعيه وصورته أمام نفسه. لذلك يتناول كتاب “تأثير الأم” الأثر الذى تركته أمك فى شخصيتك حتى الآن بعد أن كبرت وأصبحت بالغاً، وكيف تتعافى من التأثيرات السلبية وذلك من خلال استعراض بعض أنواع الأمهات من حيث: سماتها، وآثارها السلبية فى شخصية الابن، وكيفية التعافى منها.

الكتاب لدكتور/هنرى كلود، ودكتور/جون تنسند، وترجمة دكتور/إيفيت صليب، وصادر عن مكتبة دارالكلمة، الطبعة الأولى 2009.

الأم الشبح

سماتها: مختفية من حياة طفلها حتى وإن كانت موجودة، لا تهتم به ومنشغلة عنه دائماً.

أثرها فى شخصية الابن: قد تترك واحداً أو أكثر من هذه الآثار:

1- يصبح سطحيا فى علاقاته، يفر من العلاقات الحميمة، وغير قادر على الشعور بالاعتمادية والاحتياج.

2- يفرط فى توقعاته من شريك حياته المنتظر حيث يتوقع أن يشبع له كل الاحتياجات التى لم تشبعها الأم.

3- يتقبل الوجود فى علاقة مؤذية خوفاً من الوحدة والإحساس بالذنب.

كيف تتعافى؟

  • الأصحاء يدعون أنفسهم يحتاجون إلى الآخرين ويعتمدون عليهم، وإذا كنت لا تشعر بالاحتياج إلى غيرك فيمكنك أن تعبر عن هذا الخواء والنقص! فالعلاقات الداعمة أمر ضرورى فى عملية التعافى، والأشخاص الداعمون هم الذين تشاركهم مخاوفك ونقائصك كما تشاركهم طموحاتك، تشاركهم انتكاساتك كما تشاركهم تقدمك وذلك دون خوف أو قلق على صورتك أمامهم. إن هذا يزيد من عمق العلاقة ويشجع الآخرين على أن يكونوا هم أيضاً أكثر انفتاحاً.
  • وإذا كنت أنت فى موقف تدعم فيه شخصاً يعانى من آثار الأم الشبح، فاحذر أن تلغى الحدود بينكما بسرعة لأن هذا يدفعه إلى المزيد من التباعد والانعزال. وبدلاً من ذلك اجعله يشعر أنك موجود إلى جانبه حينما يحتاجك حتى يشعر أن هذا الجانب التباعدى فيه مقبول مما يسمح له بالتعافى بمعدله الخاص وفى الوقت المناسب له.

الأم الهشة

سماتها: تشعر بالشلل عن التفكير عندما يشعر ابنها بمشاعر سلبية، وتعجز عن التعامل معها فتعاقبه عليها أو تنسحب حتى يهدأ بنفسه، فى حين أن دور الأم هو احتواء مشاعر طفلها وتعليمه كيفية التعامل معها، لأن الطفل عبارة عن كتلة من المشاعر، ومشاعره متطرفة لا وسط فيها، كما أنه يشعر أنها خارج السيطرة. والاحتواء يتضمن: (1) التعاطف (تفهم مشاعر الآخر وليس بالضرورة الموافقة عليها)، (2) تسمية مشاعره حتى يسهل عليه فهمها والتعامل معها، (3) فهم أن مشاعره مؤقتة وأنها وسيلة تساعده على فهم نفسه أكثر.

أثرها فى شخصية الابن: قد تترك واحداً أو أكثر من هذه الآثار:

1- يجد صعوبة فى تقبل مشاعره والتعبير عنها وخاصة السلبية منها، حيث يعتبر التعبير عن المشاعر ضعفاً كما يخشى أن يتسبب ذلك فى إزعاج الآخرين أو إتعابهم.

2- ينسحب عندما يشعر أن الطرف الآخر فى العلاقة يشعر بمشاعر سلبية.

3- يحب رعاية الآخرين وحل مشاكلهم لأن ذلك يشعره بالسيطرة على مشاعره.

كيف تتعافى؟

1- عبر عن مشاعرك فالتعبير عن المشاعر ليس ضعفاً ولكنه على العكس يساعدك على التحكم فيها. لذلك تحتاج إلى من يتفهم مشاعرك دون إشعارك أنك سئ ودون الإنقاص من قدرها ومن ينبهك عندما تضخم الأمور. يمكنك أن تحصل على هذا الدعم من: مجموعة مساندة، استشارة شخصية، اجتماع منتظم مع صديق حكيم أو متفهم، دراسة الكتاب المقدس فى دينك (القرآن، الإنجيل…الخ)، الالتقاء بعالم دين.

2- بادر بالتعبير عن مشاعرك وطلب المساعدة عندما تشعر بالحزن ولا تنتظر حتى يلاحظ الآخرون.

3- تجاوب مع التعاطف ولا تقلل من شأن مشاعرك، انفتح واسمح للآخرين بطمأنتك ومع الوقت ستزيد قدرتك على احتواء هذه المشاعر.

4- امنح التعاطف للآخرين فهذا يخرجك من التمركز حول الذات.

الأم المسيطرة

سماتها: تجد صعوبة فى استقلال شخصية الابن ولا تتيح له الاعتماد على نفسه، بل تقدم له الحلول الجاهزة مع أن إجابة خطأ صارع الطفل معها وامتلكها أفضل من إجابة صحيحة تمت تغذيته بها. كما تتخذ القرارات نيابة عنه بدلاً من أن تسأل نفسها: هل لا يزال ابنى قادرا على اتخاذ القرارات حتى عندما لا أكون حوله؟

أهم تكنيكاتها:

1- إشعاره بالذنب وأنه لم يعد يهتم بها عندما يتصرف باستقلالية.

2- الغضب والهجوم على الطفل عندما يعبر عن رغباته.

3- منحه الحب مشروطاً بطاعتها وسحبه عند عدم الانصياع لها.

أثرها على الابن: قد تترك واحداً أو أكثر من هذه الآثار:

1- يجد صعوبة قول “لا” للآخرين.

2- يشعر أنه مسئول عن مشاكل ومشاعر الآخرين وخاصة من يحبهم.

3- يبتعد عن العلاقات الحميمية وينعزل حتى يشعر أنه أكثر أماناً.

4- يعانى من مشاكل فى التنظيم، وتحديد الأهداف، والمثابرة، وتحمل المسؤولية وضبط النفس.

5- يشعر بأنه أقل من غيره وبعدم القدرة على الدخول معهم فى علاقات تقوم على المساواة، بل يشعر بالحاجة إلى الإذعان لهم وترك اتخاذ قراراته فى أيديهم حتى يظل يحصل على استحسانهم (أسلوب المتدنى)

6- يمارس فى علاقاته السيطرة كما كانت تمارسها معه أمه، فيحب التخطيط لهم وإملاء النصائح عليهم (أسلوب المستعلى). قد يجمع بين هذا الأسلوب والأسلوب السابق حسب شخصيات المحيطين.

7- يتمرد على أى سلطة فهو يعرف ما لا يريد أكثر من معرفته ما يريد.

8-  يخشى النجاح لأنه يعنى التساوى مع والديه وهى مكانة لا يستطيع تحملها.

كيف تتعافى؟

1- كن نفسك، ونمِّ إرادة مستقلة. اسمح لنفسك بالاختلاف مع الآخرين فأنت لا تعتبر فعليا حاضرا حين لا تستطيع إحضار اختلافاتك للعلاقة وإذا كنا نتفق فى كل شئ فواحد مننا ليس ضرورياً!

2- تعلم كيف تتحمل مسئولية نفسك وتصرفاتك ومشاعرك، واعلم أن حب الآخرين لك ليس معناه أن يبرروا لك أخطاءك أو يتحملوا عنك مسئولياتك.

3- تعلم كيف تفكر وتخطط وتتخذ قراراتك بنفسك، اطلب مشورة الآخرين ولكن فى النهاية القرار لك.

4- احترم القواعد، من حقك أن تفهمها وتفهم الحكمة منها ولكن ليس من النضج أن تتمرد دون سبب.

الأم المطالبة بالكمال

سماتها: هى التى لا تقبل الأجزاء السلبية فى طفلها، فإما تنكرها أصلاً أو تدينها بشدة.

أثرها على الابن: قد تترك واحداً أو أكثر من هذه الآثار:

1- لا يستطيع اختبار الأجزاء السلبية فى نفسه دون بزوغ كره الذات.

2- يسعى إلى إرضاء الآخرين ويشعر بالقلق المستمر من أن يخيب ظنونهم.

3- يجتهد لإخفاء نقائصه وعدم الوقوع فى أى خطأ. وإذا أخطأ فإنه يلقى اللوم على الآخرين أو قد يلجأ إلى سلوكيات إدمانية (الطعام، المخدرات، الجنس…الخ) لأنه لا يقدر على مسامحة نفسه ولا على على تصديق أن الله يحبه ويغفر له رغم كثرة نقائصه وذنوبه.

4- يصبح مدمناً للمديح والشعور الدائم بأنه أفضل من الآخرين.

كيف تتعافى؟

1- ابحث عن أصدقاء متواضعين لا يبحثون عن الكمال ويقبلونك كما أنت، ويواجهونك بنقائصك وأخطائك.

2- افتح قلبك للآخرين لمساعدة الآخرين وحبهم، لا ترفضه أو تقلل من قيمته ظناً منك أنه شعور غير حقيقى.

3- تقبل مشاعرك السلبية ومشاعرك البشرية الطبيعية كالخوف، والصراع مع الذنوب، والرغبات الجنسية…الخ وتعامل معها فسوءنا يصبح أقل قوة حين نعترف به.

4- أنصت إلى النبرة العاطفية لتقييمك لنفسك (غضب، خزى، هجوم…الخ) وغير أنماط تفكيرك السلبية كالتشاؤم، والانتقاد الذاتى المستمر والخوف من الفشل متقبلا إياه كجزء طبيعى من الحياة ومتحملا مسئوليتك عنه.

5- تعلم محبة الآخرين كما هم بنقائصهم محبة حقيقية، فقد تعامل الآخرين بلطف ولكن من داخلك تشعر بالازدراء لهم لعدم كمالهم مما يعيق العلاقات الحميمية.

6- اغفر لأمك، لأنك إن لم تتقبلها كما هى فأنت إذن تفعل معها مثلما كانت تفعل هى معك (عدم تقبل الآخر بنقائصه). شعورك بجرح أو حزن لما فعل بك فى الماضى لا يعنى أنك لم تغفر.

المصالحة

هى عملية يجب أن تقوم بها أيا كان نوع أمك، وهى تعنى الصفو بعد النفور، وتهدف إلى إقامة علاقة صحية، وعناصرها هى:

1- اعترف بآلام الماضى وعبر عنها، وتحدث عنها مع أمك إن كان ذلك مناسباً.

2- احصل على الاحتياجات التى لم يتم تسديدها من أناس آخرين.

3- امنح واقبل الاعتذار والتمس العذر لوالدتك فقد تكون عانت من مشاكل مع أمها فى طفولتها.

4- أشرك أمك فى عملية نموك وأقم علاقة صداقة معها أو تعامل معها بطريقة أنسب إذا لم تتجاوب.

5- اغفر لوالدتك وسامحها، ولا تستمر فى مطالبتها بما لا تستطيع أن تمنحه لك.

قد تجمع أمك بين أكثر من نمط ولكن هناك نوع ستجد أنه الغالب عليها. قد تظن أن الأهم هو التركيز على المشاكل الحالية فى شخصيتك وأنه لا جدوى من البحث عن أسبابها، ولكنى أرى أن البحث فى طفولتك سيقودك إلى معرفة المزيد عن نفسك، وعن معتقداتك التى هى المحرك الأساسى لأفكارك ومشاعرك وسلوكياتك، والخطورة أن هذه المعتقدات تتحكم فى حياتك حتى ولو كانت غير صحيحة!